واصف جوهرية

138

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وأما البلوك الواقع شرقي المنتزه العائد لبلدية القدس والذي أصبح محلة الآن دائرة بلدية القدس وبنك باركلس الذي أنشأ عن زمن راغب بك النشاشيبي كان يحتوي على مخازن مقامة من الخشب وهذه المخازن كانت مؤجرة إلى أبناء طائفة الروم الأرثوذكس العرب فالأولى للمرحوم يوسف الحرامي والد حنا وشكري وجيمس وفرح والياس يبيع فيها المسابح والصلبان ومصنوعات خشب الزيتون المقدس وخصوصا زيت الزعتر في قناني بيضاء صغيرة بسعر عال جدا بالنسبة إلى الأشياء الأخرى في ذلك الزمن لأنه ( كان يشتري تنكة زيت الزعتر من برسفون خليلة حسين أفندي الحسيني دير عمرو والتي نوهت عنها ] والأيقونات لكافة القديسين . كذلك نقولا متري البرينخ فكان يبيع الخمر على كافة أنواعه من عرق ونبيذ وكنياك إلى المسكوب وخصوصا إلى النساء منهم اللذين كانوا يدمنون على شرب الخمر حتى أننا كنا نشاهدهن يشربن السبيرتو الأبيض ، واللّه يشهد وكأنها كانت تشرب الماء الزلال ، ثم جبران الأجرب مخزن البقالة الممتاز ثم متري خشرم وأخيه المختصين ببيع صور البلاد الأثرية المقدسة والنظارات الكبيرة التي تكبر الصورة لحجم أكبر . ولا تسأل عن الفلاحات من قرى القدس اللواتي كانوا يقعدن على ضفتي الشارع ومن باب عمارة المسكوبية إلى باب دير الروم عن طريق باب الجديد وهذه الشوارع الطويلة لم تنقطع من المسكوب ليلا ونهارا والجدير بالذكر أن الفلاحات كانت أكثرهم يعرفون اللغة الروسية ويبيعون زهور البلاد المقدسة والمريمية والحصلبان والشوك والحطب والخشب خصوصا فلاحات قرية عين كارم . وإني أذكر أصناف الأسماك المقددة التي كانت تباع في هذه الشوارع لحجاج المسكوب مثل الفسيخ والبكلاي والمدخن والأخطبوت والسردين والبرلاميدا ثم الحلزون والخضار والبراصية والبطاطا والبصل الأخضر وغيره بصورة يصعب وصفها بالقلم فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها . أما حارة باب الجديد فكانت المخازن كلها مؤجرة إلى أبناء طائفتنا العرب غريغوري أنسطاس وقسطندي أنسطاس وعائلة السحار وعائلة الحبش وعائلة قرط وعائلة عطا اللّه وغيرهم ممن كانوا يخرطون خشب الزيتون وخشب السرو ويعملون منها نماذج الحجال والعصي والصناديق وعلب السكاير والصلبان وخشب الأيقونات مما يباع إلى حجاج الروس في الليل والنهار وخصوصا نماذج الجمال المختلفة الأشكال من خشب الزيتون المبارك وخشب السرو . « 1 » نيازي باشا : القائم بثورة أذكر هذا الحادث الظريف يدل على ذكاء وقوة نظر المرحوم الوالد : اتفقت ووالدي بالمثول بين يديه لفرض ما بعد انصرافي عصيرة يوم من أيام فصل الصيف عندما أنصرف من المدرسة الوطنية وذلك في باب الخليل . جئته بالوقت المعين وكان جالسا مع صديق له يشرب الأركيلة في غرفة خشبية عائدة لدائرة البلدية مقابل الثغرة التي فتحت في سور باب الخليل من الخارج . فعند وصولي تماما قام عن مقعده وأشار إلى بيده إلى شخص كان يسير في الطريق وبجانب باب الخليل تماما ، وقال لي بلهجة شديدة " واصف روح أنظر إلى هذا الرجل وتفرس في وجهه وتأمل فيه جيدا . . أركض . . " فامتثلت إلى أمره فذهبت وواجهت هذا الرجل وتأملت به جيدا من

--> ( 1 ) ملاحظة المؤلف : أن عمارة المسكوبية العظيمة أقيمت على أرض كانت تعرف " بأم السماق " من أراضي قرية لفتا وقد بيعت إلى الروس من عائلة نصر وعائلة سلامة وعائلة خلف من أهالي لفتا . وإن الدار التي كانت مقامة خلف المخازن الخشبية وهي ملك دائرة البلدية وقسيمة المنتزه البلدي من الجهة الشرقية كانت تسكن برسفون خليلة حسين أفندي الحسيني صفحة 28 من هذا الكتاب . إن معنى المعمول والكعك والبيض الأحمر الذي يعمل عادة بمناسبة عيد الفصح المجيد لدى الطوائف الأرثوذكسيه وخصوصا بالقدس هو : الكعكه : رمز عن إكليل الشوك الذي وضع على رأس سيدنا يسوع المسيح عند الصلب المعمولة : رمز عن طبعة المسمار الذي ضرب في أيدي ورجلين سيدنا يسوع المسيح البيضة الحمراء : رمز عن نقط الدم الذي فدانا به سيدنا يسوع المسيح عند الصلب ولم تعرف الروس باللون الأحمر لون الدم ولا يهمها الألوان المبتكرة عند مختلف الشعوب .